الخطيب الشربيني
595
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
ولما ذكر الله تعالى الوعيد عاد إلى ذكر ما يدل على وجود الإله القادر الحكيم ، وإلى ذكر ما يصلح أن يعد إنعاما على العباد فقال تعالى : اللَّهُ أي : الملك الأعظم الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ أي : لا غيره الْأَنْعامَ أي : الأزواج الثمانية بالتذلل والتسخير ، وقال الزجاج : الأنعام الإبل خاصة لِتَرْكَبُوا مِنْها وهي الإبل مع قوتها ونفرتها وقد تركب البقر أيضا وَمِنْها أي : من الأنعام كلها تَأْكُلُونَ . ولما كان التصرف فيها غير منضبط أجمله بقوله تعالى : وَلَكُمْ فِيها أي : كلها مَنافِعُ أي : كثيرة بغير ذلك من الدر والوبر والصوف وغيرها وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها وهي في غاية الذل والطواعية ونبههم على نقصهم وعظم نعمته عليهم بقوله تعالى : حاجَةً أي : جنس الحاجة ، وقوله تعالى : فِي صُدُورِكُمْ إشارة إلى أن حاجة واحدة ضاقت عنها قلوب الجميع حتى فاضت منها فملأت مساكنها وَعَلَيْها أي : الإبل في البر وَعَلَى الْفُلْكِ أي : في البحر تُحْمَلُونَ أي : تحملون أمتعتكم الثقيلة من مكان إلى مكان آخر وأما حمل الإنسان نفسه فقد مر بالركوب ، فإن قيل : لم لم يقل وفي الفلك كما قال تعالى في سورة هود : قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ [ هود : 40 ] أجيب : بأن كلمة على للاستعلاء فالشيء الذي يوضع على الفلك كما صح أن يقال وضع فيه صح أن يقال وضع عليه ، ولما صح الوجهان كانت لفظة على أولى حتى تتم المزاوجة في قوله تعالى وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ [ المؤمنون : 22 ] وقال بعضهم : أن لفظ فيها هناك أليق لأن سفينة نوح عليه السّلام كما قيل مطبقة عليهم وهي محيطة بهم كالوعاء وأما غيرها فالاستعلاء فيه واضح لأن الناس على ظهرها . ولما كانت هذه آية عظيمة جعلها الله سبحانه وتعالى مشتملة على آيات كثيرة قال تعالى : وَيُرِيكُمْ أي : في كل لحظة آياتِهِ أي : دلائل قدرته فَأَيَّ آياتِ اللَّهِ أي : المحيط بصفات الكمال الدالة على وحدانيته تُنْكِرُونَ حتى تتوجه لكم المجادلة في آياته وهذا استفهام توبيخ . تنبيه : أي : منصوب بتنكرون وقدم وجوبا لأن له صدر الكلام وتذكيره أشهر من تأنيثه ، قال الزمخشري : وقولك فأية آيات الله قليل لأن التفرقة بين المذكر والمؤنث في الأسماء غير الصفات نحو حمار وحمارة غريب وهو في أي : أغرب لإبهامه ، قال أبو حيان : ومن قلة تأنيث أي : قول الشاعر « 1 » : بأي كتاب أم بأية سنة * ترى حبهم عارا علي وتحسب قال ابن عادل : وقوله وهو في أي أغرب إن عنى أيا على الإطلاق فليس بصحيح ؛ لأن المستفيض في النداء أن تؤنث في نداء المؤنث كقوله تعالى : يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ [ الفجر : 27 ] ولا نعلم أحدا ذكر تذكيرها فيه فيقول : يا أيها المرأة إلا صاحب « البديع في النحو » وإن عنى غير المناداة فكلامه صحيح ، يقل تأنيثها في الاستفهام وموصولة وشرطية .
--> ( 1 ) البيت من الطويل ، وهو للكميت في خزانة الأدب 9 / 137 ، والدرر 1 / 272 ، وشرح التصريح 1 / 259 ، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص 692 ، والمحتسب 1 / 183 ، والمقاصد النحوية 2 / 413 ، وبلا نسبة في أوضح المسالك 2 / 69 ، وشرح الأشموني ص 164 ، وشرح ابن عقيل ص 225 ، وهمع الهوامع 1 / 152 .